محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ يقول تعالى ذكره : ومن القوم الذين حول مدينتكم من الأعراب المنافقون ، ومن أهل مدينتكم أيضا أمثالهم أقوام منافقون . وقوله : مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ يقول : مرنوا عليه ودربوا به ، ومنه شيطان مارد ومريد : وهو الخبيث العاتي ، ومنه قيل : تمرد فلان على ربه : أي عتا ومرد على معصيته واعتادها . وقال ابن زيد في ذلك ، ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ قال : أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب الآخرون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي لجوا فيه وأبوا غيره . لا تَعْلَمُهُمْ يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تعلم يا محمد أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك صفعهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة ، ولكنا نحن نعلمهم . كما : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ إلى قوله : نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ قال : فما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة وفلان في النار ، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلكم قال نبي الله نوح عليه السلام : وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ، وقال نبي الله شعيب عليه السلام : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ، وقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام : لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ . وقوله : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ يقول : سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين : إحداهما في الدنيا ، والأخر في القبر . ثم اختلف أهل التأويل في التي في الدنيا ما هي ؛ فقال بعضهم : هي فضيحتهم فضحهم الله بكشف أمورهم وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس ، في قول الله : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ إلى قوله : عَذابٍ عَظِيمٍ قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة ، فقال " اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق " فأخرج من المسجد ناسا منهم فضحهم . فلقيهم عمروهم يخرجون من المسجد ، فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة ، وظن أن الناس قد انصرفوا واختبئوا هم من عمر ، ظنوا أنه قد علم بأمرهم . فجاء عمر فدخل المسجد ، فإذا الناس لم يصلوا ، فقال له رجل من المسلمين : أبشر يا عمر ، فقد فضح الله المنافقين اليوم فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد ، والعذاب الثاني : عذاب القبر . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي مالك : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فيذكر المنافقين فيعذبهم بلسانه ، قال : وعذاب القبر . . . . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ قال : القتل والسباء . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ،